روي عن أبي سعيد الخدري أنَّ سعد بن معاذ لمَّا بلغ قريباً من الموضع الذي فيه رسول الله قال النبي لمن عنده: «قوموا إلى حِبركم أو سيدكم» وذكر الإمام النووي له طرقاً متعددة، قال الإمام مسلم صاحب الصحيح: لا أعلم في قيام الرجل للرجل حديثاً أصح من هذا، قال: وهذا القيام على وجه البر، قال البغوي: يؤخذ من هذا الحديث أن القيام للرئيس الفاضل وقيام المتعلم للعالم مستحب.
قال: وقوله : «من أحبَّ أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار» فهو أن يأمرهم بذلك ويلزمهم إياه من باب الكبر.
فما نقل عن الصوفية من أمرهم لمريديهم بالقيام بين يدي شيخه المسلك له حتى يأذن له شيخه في الجلوس ليس من هذا القبيل بل يقصد تربيته وتهذيب نفسه.
وورد في حديث توبة كعب بن مالك أنه انطلق إلى رسول الله حتى دخل المسجد، فإذا برسول الله جالس وحوله الناس، ويقول ـ أي: كعب ـ: فقام طلحة بن عبيد الله فهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره ولا أنساه لطلحة، وهو حديثٌ متفق على صحته، وفي هذا الإسناد لهذا الحديث ثلاثة تابعيون يروي بعضهم عن بعض ابن شهاب وعبد الرحمن وعبيد الله.
وعن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: (ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلَّاً وهدياً برسول الله من فاطمة بنته، قالت: وكانت إذا دخلت على النبي قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها). حديث صحيح رواه أبو داوود والترمذي والنسائي .
وورد أنه كان جالساً فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه من الرضاعة فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام رسول الله فأجلسه بين يديه. رواه أبو داوود في سننه.
ولما قدم عكرمة بن أبي جهل ـ وقد أسلم ـ على رسول الله وثب عليه فرحاً وما عليه رداء حتى بايعه، وهذا الحديث والذي قبله مرسلان فيصح الاحتجاج بهما عند أكثر الفقهاء، قال الشافعي: وأكثر أهل الحديث لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، ثم قال الشافعي: أنه إذا روي المرسل مسنداً أو مرسلاً من طريق آخر، وقال به بعض الصحابة جاز الاحتجاج به، وقد وجد لهذا الحديث شواهد تُجَوِّزُ الاحتجاج به.
وقال أبو هريرة : (كان النبي يحدثنا، فإذا قام قمنا قياماً، حتى نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه) حديث صحيح أو حسن، وقيل لأبي ذر : هل كان رسول الله يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قط إلا صافحني.
وعن عائشة قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله في بيتي، فأتاه فقرع الباب، فقام إليه رسول الله فاعتنقه وقبله.
وعن حمّاد بن زيد قال: كنا عند أيوب فجاء يونس فقال حمّاد: قوموا لسيدكم، أو قال: قوموا لسيدنا.
وعن الإمام أحمد بن حنبل أنّه أتاه أبو إبراهيم الزهري فسلم عليه، فلما رآه أحمد وثب فقام إليه قائماً وأكرمه، فلما مضى قال ابنه عبد الله: يا أبت، أبو إبراهيم شاب تعمل معه هذا العمل وتقوم إليه؟ فقال: يا بُنَي، لا تعارضني في مثل هذا ألَّا أقوم إلى ابن عبد الرحمن بن عوف، ومعلوم أن أبا إبراهيم اسمه أحمد بن سعد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم.
وعن ابن هشام قال: قام وكيع لسفيان فأنكر عليه قيامه، فقال أتنكر علي قيامي وأنت حدثتني عن ابن عباس (إن من إجلال الله تعالى إجلال ذي الشيبة المسلم) فأخذ سفيان بيده فأجلسه إلى جانبه .
وعن محمد بن أبي الصلت قال: كنت عند بشر الحافي الزاهد ، فجاءه رجل فسلم على بشر، فقام إليه بشر فقمت لقيامه، فمنعني عن القيام، فلمَّا خرج الرجل قال لي بشر: يا بني، تدري لم منعتك من القيام له ؟ قلت : لا ، قال لأنه لم يكن بينك وبينه معرفة، وكان قيامك لقيامي فأردت ألَّا يكون لك حركة إلَّا لله عز وجل خالصاً .
وذكر الإمام أبو عبد الرحمن السلمي أنه كان يقوم لإخوانه إذا أبصرهم مقبلين ولا يقعد إلا بقعودهم وأنشد:
فلما علمنا به مقبلا حللنا الحبي وابتدرنا القياما
فلا تنكرن قيامي له فإن الكريم يجل الكراما
وقال: فقد ثبت طلب القيام عن رسول الله بنفسه وبأمره وبتقريره حيث فعل بحضرته.
وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله : «إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط». أخرجه أبو داوود في سننه.
وعن ميمون بن أبي شيبة أن عائشة مرَّ بها سائل فأعطته كسرة، ومر بها رجل عليه ثياب وهيئة فأقعدته فأكل، فقيل لها لم ذلك؟ فقالت: ( أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ) .
وكان يحيى القطان يصلي العصر ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، فيقف بين يديه علي بن المديني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم يسألونه عن الحديث وهم قيام على أرجلهم إلى صلاة المغرب لا يقول لواحد منهم اجلس ولا يجلسون هيبةً وإعظاماً.
وهنا قد يعترض بما ورد عن أنس أنه قال: ( لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك).
وبما روي عن أبي مجلن قال: خرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير ، فقال معاوية لابن عامر اجلس ، فإني سمعت رسول الله يقول: ( من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار ).
وبما ورد عن أبي أمامة قال : خرج رسول الله يتوكأ على عصا فقال: ( لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضاً ) .
والجواب عن الحديث الأول حتى لا يتعارض مع ما سبق بأن النبي خاف عليهم وعلى من يأتي بعدهم الفتنة بإفراطهم في تعظيمه ، كما قال في حديث آخر : «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم» فكره قيامهم له لهذا المعنى، ولم يكره قيام بعضهم لبعض بل قام لبعضهم وقاموا لغيره بحضرته وأقره وأمر به في حديث القيام لسعد كما سبق.
والجواب عن الثاني والثالث بأن المنهي عنه هو محبة القيام له، ولا يشترط كراهيته لذلك فمحبته أن يقام له محرم سواء حصل قيام أم لا ، وأيضاً ليس محبة القيام مطلقاً بل محبته على جهة الكبر أما على طريق المودة فلا .
كما قام رسول الله إلى عكرمة ، وكما قام أبو بكر إلى علي وكان جالساً عن يمين رسول الله فأجلسه مكانه وجعله بينه وبين رسول الله فأثنى عليه رسول الله بقوله : ( إنما يعرف الفضل لأهل الفضل أولو الفضل ) .
وإذاً فليس القيام لأهل الإكرام بدعة بل له أصل في السنة ، دعا إليه وأثنى على فاعله وجرى عليه خَلَف الأُمَّة بعد سلفها؟. |