بسم الله الرحمن الرحيم : {لله مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى:50] بدأت الآية الكريمة بتقرير القاعدة العظمى وهي تفرد الله جل وعلا بملك السموات والأرض وكناية عن كل شيء ، خلقاً وتصريفاً ، ثم فرعت على هذه القاعدة مثالاً رائعاً لإثبات ذلك وهو أن توزيع أرزاق الذرية على العباد من حيث النوع والكمية مرده إلى مشيئته العظمى بحسب مقتضى حكمته في تنظيم النوع الإنساني تنظيماً يكفل بقاءه وزكائه وضمان توازن نوعي الذكر والأنثى حفظاً للنوع بأشرف الوسائل وأجمل الأحوال ، ذلك لأنه لو اختلت النسبة بين النوعين في أمة من الأمم لسبب عارض أو لسلوك أحمق تعرضت لفساد كبير وربما للفناء النهائي ، ولا تتحقق المعجزة في الآية الكريمة إلا بإعادة الضمائر المستترة في ( لمن يشاء ) إلى الله وحده دون العبد .
وما أدق النكتة التي قررها الإمام الصفوي في تفسيره حين يقول {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا} وإن لم يشأها العبد ، والغالب أنه لا يشاؤها ولا يدعو بها وأدق من هذا إيجاز الإمام البيضاوي بقوله ملحقاً {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا} بدل من كل {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} أي الله وحده .
واستنبط منه الدلالة على أن الحاصل هو أثر مشيئة الله لا مشيئة الإنسان ، وأود أن أستطرد في هذا الاستدلال بأن أحداً من الناس لا يشاء أن يكون عقيماً وإن شاءه شذوذاً فلا يدعو به لأن الله الكريم يدعى في الخير لا في الشر ، وإن العقم ـ غالباً ـ سلبي محض يكفي فيه الامتناع وما شاكل ذلك .
والبديع أن سورة الشورى أوردت في نحو ثلث عدد آيها مظاهر مختلفة لمشيئة الله تعالى ومن أجلها قوله تعالى: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الشورى: 12]، ولا يشك أن الذرية من أعز أنواع الرزق التي تفضل بها المولى الكريم وتفرد بها على عباده .
فبعد هذا الذي لا يحتاج لإيضاح لا يصح إعادة الضمائر في {لِمَنْ يَشَاءُ} إلا على الله جل وعلا ولا جبر في ذلك مطلقاً لأن الله تعالى خلق الجنس البشري ومنحه العقل والاختيار ثم عرض عليه الأمانة فحملها لرعاية الأوامر والنواهي ـ لا في تحديد الأرزاق ـ وبعد {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة:8] .
والله أعلم، أسأله الهداية والتوفيق. نقلا من مجلة المسلم. |